• الموقع : مؤسسة الأنوار الثقافية العالمية .
        • القسم الرئيسي : مقالات وآراء .
              • القسم الفرعي : مقالات مختارة .
                    • الموضوع : سقوط الأقنعة .

سقوط الأقنعة

الأستاذ مصطفى سيد أحمد
 
قد تتبنى بعض الحركات الإسلامية خطاباً إسلامياً منفتحاً ومعاصراً، ولكنها قد تنسف هذا الخطاب عند دخولها المعترك السياسي وتحولها من حركة إلى سلطة، ويرجع السبب في ذلك، لانغلاق الحركة الإسلامية على شعاراتها السابقة دون تغيير رغم التحول الحاصل من كونها حركة إلى دولة، وسوف يكون من المفاجئ أن تظل الأدبيات الحركية التي نادت بها طوال تاريخها الحركي هي ذاتها شعارات مرحلة الدولة دون تغيير في واقع التخلف على كافة المستويات، بما في ذلك التعاطي مع حقوق الأقليات الدينية وحرية الرأي والإعلام وديمقراطية التحول السياسي.
 
وبهذا يظهر أن الحركة الإسلامية كانت تمارس خطاباً منافقاً -إذا صح التعبير- أو رؤيتها الثقافية في الخطاب لم تكون واضحة، بل إن خطابها رهينة نجاحها أو فشلها، ولا أقصد بالنجاح والفشل هنا استلام السلطة السياسية، بل ربما الانهزام أمام الثقافة الإسلامية التي تختلف في تفاصيلها مع الأطروحة المذهبية التقليدية للحركة، فتكون بذلك سبباً في انقلاب الحركة على خطابها ودخولها في صراعات فكرية مكشوفة، تؤدي لتعرية قيادتها الدينية والثقافية التي رسمت من خلال نشاطاتها وأطروحاتها الفكرية على مدى سنوات طويلة صورة الخطاب المنفتح للحركة.
 
ومن الأمثلة الواضحة على سقوط الخطاب المنفتح للحركة الإسلامية، التغير الواضح في الخطاب المنفتح لحركة الإخوان المسلمين، وتحوله إلى النقيض بامتياز، في كل من تركيا ومصر، فقد سقطت حركة الإخوان المسلمين في هاتين الدولتين بعد تسلمهما السلطة السياسية، وبات قرارهما مرهوناً بيد القوى الاستعمارية التي تمتلك أدوات القرار السياسي والدعم الاقتصادي، مما دفعها للتخلي عن خطابها وشعاراتها التي نادت بها طوال تاريخها الحركي واعتبرته من السياسيات الثقافية والدينية في المرحلة السابقة.
 
ولا نستطيع التفريق هنا بين الحركة الإسلامية القابعة خلف طاولة السياسة، وبين القوى الدينية والثقافية المنتمية للحركة والتي تنادي بشعارات الوحدة، والتقريب، والتعايش، والديمقراطية، والحرية، والعدالة، حيث أن الأخيرة هي رهينة القرارات السياسية أيضاً، ولذلك نشهد بين الفينة والأخرى وجوهاً كنا نعدهم من أصحاب الخطاب الإسلامي المنفتح والمعاصر، وبدخولهم في معترك السياسة ودهاليزها كشفوا عن نفاقهم الديني والثقافي، وسقطوا في مستنقع الرذيلة السياسية ليقوموا بعدها بتسخير كل جهودهم في تسخين الحالة الطائفية والمذهبية بين المسلمين وغيرهم من الديانات.
 
ولقد شهدنا خلال الأعوام الماضية صورة انقلاب واضحة لبعض زعماء الإخوان المسلمين الدينيين والثقافيين ضد خطابهم المعتدل والحضاري السابق، وهو ما طرح سؤالاً خطيراً عن دعاة الاعتدال، والوحدة، والتقارب، والتعايش، وصحة دعوتهم تلك، أم أن دعوتهم تأتي وسيلة وسلماً للصعود للسلطة السياسية في بعض البلدان؟
 
ويظهر أن السلطة السياسية أجادت الاستفادة من دعاة الخطاب المعتدل والمنفتح، وسخرتهم في تنفيذ أجندتها الطائفية بين المسلمين وغير المسلمين، وهو ما نقرأه في تحول خطاب الداعية يوسف القرضاوي، والذي مثّل في فترة سابقة صورة مشرقة للاعتدال والانفتاح، وصعوده على مستوى المسلمين لمرتبة الزعامة في دعوات التقريب بين المذاهب الإسلامية المختلفة، وبالخصوص بين الشيعة والسنة، ثم التحول في الخطاب من التقريب إلى الطائفية والمذهبية، بل ذهب بعض أقطاب حركة الإخوان المسلمين إلى المطالبة بمنح اليهود حقهم في المواطنة بدعوة أنهم أصحاب الأرض تاريخياً، وفي الوقت نفسه يدعون لمحاربة أتباع المذهب الشيعي (المصريين) واجتثاثهم من مصر.
 
ولم تكن حركة الإخوان المسلمين في تركيا بعيدةً عن هذا التحول، ويعزز ذلك صورة الدولة العثمانية، كونها التجربة الأسوأ في التعاطي مع المذاهب الإسلامية الأخرى، حين تحولت من الحوار إلى العنف في أقسى صوره، نتيجة الفشل الذريع في استيعاب الآخر، وتصنيفها الأقليات الدينية ضمن التقسيم السياسي بجعلهم أتباعاً لدول مناوئة ومنافسة للخلافة العثمانية، وجعل المبرر (السياسي) سبباً وجيهاً في تقديم رموز الطوائف الأخرى إلى المقاصل وتنفيذ التصفيات الجسدية بفتاوى دعاة الاعتدال والانفتاح في ذلك الوقت.
 
وفي التجربة الإخوانية التركية المعاصرة، تظهر تجليات الفشل في التدخل الصريح والمعلن ضد الطوائف الإسلامية الأخرى، والتي استلمت زمام القيادة السياسية في العراق وإيران وسوريا، رغبةً منها في مساندة قوى الإخوان المسلمين أو التيار السني بمختلف توجهاته واعتباره أيدلوجية أفضل من الشيعة والعلويين، بل يظهر أنهم على استعداد لاجتثاث الطوائف الإسلامية الأخرى بالدعوة إلى إقامة الدولة الإخوانية النقية من الأطياف الدينية والصراعات الثقافية الشرقية والغربية.
 
إن أخطر ما نشهده في تحول الخطاب الإسلامي اليوم، هو استغلاله في إصدار الفتاوى المطالبة بتصفية الآخر وإباحة دمه، أو تزكية تلك الفتاوى إعلامياً أو عملياً عبر حشد التكفيريين واستغلالهم لتنفيذ أجندة القتل القذرة، وهو المشهد الدموي المستمر في العراق والبحرين وسوريا وباكستان، وصمت القيادة الدينية، ودعاة الخطاب المعتدل والمنفتح عن تلك الدماء، في تأييد واضح لما يجري من انتهاكات، والزيادة على ذلك بتصنيف الحركة الجماهيرية المطالبة بالحرية والديمقراطية السياسية، ووصمها بالطائفية والمذهبية والتبعية للدول الأجنبية.
 
وأخيراً .. وبعد هذه الأحداث والسقوط المدوي لدعاة الخطاب المعتدل والمنفتح، ودعاة الوحدة، والتقريب، وغيرها من مصطلحات، هل يجد الدعاة لهذا الخطاب (الصادقين) مكاناً بين جماهير الأمة لدعوتهم هذه؟
 

  • المصدر : http://www.alanwar14.com/subject.php?id=129
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2013 / 03 / 24
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 09 / 30