أهلا وسهلا بكم في موقع مؤسسة الأنوار الثقافية العالمية ، للتواصل : info@alanwar14.org

الصفحة الرئيسية

من نحن

أخبار :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

مقالات وآراء :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

تحقيقات

اصدارات اللغات الأجنبية

طلبات كتب اللغات

طلبات الكتب

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • أرشيف كافة المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا

   مقالات وآراء >> مقالات مختارة >> الكون صنع خالق حكيم والعلم سبيل لمعرفة الخالق (في الرد على مقالة الغاوي) .

الكون صنع خالق حكيم والعلم سبيل لمعرفة الخالق (في الرد على مقالة الغاوي)

الأستاذ/ أحمد جعفر السادة 
 
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ "190" الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ "191")- آل عمران
 
إن التفكر في الخلق من الأشياء التي دعا إليها الشرع الحنيف في مواضع كثيرة، و ما الآية التي افتتحنا بها مقالنا إلا واحدة من كثير، بل إن الخالق جل شأنه بين وأوضح في أكثر من موضع أنها من طرق وأساليب معرفته سبحانه والإيمان به عز وجل كما في الآية الكريمة: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ "53"أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ "54")- فصلت.
 
لقد قرأنا مقال الأخ علي الغاوي  تحت عنوان "الكون: صدفة وضرورة" و الذي نشره في عدة مواقع  من الشبكات الإخبارية، فاتضح لنا أنه يتبنى ما يسمى بالتشريع الغير متداخلNon-overlapping magisterial  فقال بأن الدين والعلم سلطتان تتمتع كل واحدة بشرعيتها ومداها التشريعي والسلطوي الخاص وأنه يعتقد أن هذين المجالين يجب ألا يتقاطعان أو يتداخلان.
 
نحن هنا في هذا المقال نهدف إلى عدة أمور، أولها أن نوضح الرؤية القرآنية حول هذا الأمر، و الآخر هو أن نبين مواضع الإشكال التي وقع فيها الأخ الغاوي من منظور علمي وبدلائل تجريبية مراعاة للمنهج الذي يتبناه، حيث أننا في حوارنا هذا نريد  أن نرتقي إلى أسلوب البحث العلمي، و نبتعد عن الجزاف، لنحاكي من اختلف معنا بما يتقبله منهجه، وكذلك لأننا أيضاً نحتمل أيضاً أن يقرأ مقالنا أي فرد من مختلف الإتجاهات فكرية، منهم من يجمع بين الدين والعلم و يرى أن هناك إرتباط وثيق بينهما، ومنهم من يقول بالإيمان بالعلم والدين ولكنه يرى فيهما سلطتان منفصلتان لا يصلح أن تتقاطعا كما رأينا من كلام الغاوي، ومنهم من لا يؤمن بالدين أصلاً فيكون الإستشهاد بالنصوص الشرعية معه غير ذي جدوى، ونعني بذلك الفكر الإلحادي.
 
و سنقسم موضوعنا هذا إلى محورين أساسين:
-    المحور الأول: النظرة القرآنية في الربط بين العلم و وجود الخالق سبحانه.
-    المحور الثاني: بيان بعض مواضع الخلل العلمي في منهج ما يسمى بالتشريع الغير متداخل.
 
المحور الأول: النظرة القرآنية في الربط بين العلم و وجود الخالق سبحانه.
إن الدعوة إلى التفكر في المخلوقات تكررت كثيراً على لسان الأنبياء والرسل وما الآية الإفتتاحية في مقالنا هذا إلا واحدة من كثير من النصوص الشرعية الدالة على ذلك، بل إن الخالق جل شأنه بين وأوضح في أكثر من موضع أن ذلك من طرق وأساليب معرفته والإيمان به عز وجل كما في الآية الكريمة: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ "53" أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ "54")  فصلت.
 
ولو أردنا أن نذكر الآيات الحاثة على ذلك لطال بنا المقام وإنما نشير إلى بعضها حسب الحاجة. وإن أي قارئ لكتاب الله المجيد يتبين له أنه قد ناقش الكثير من الحقائق العلمية (أو على أقل تقدير ناقش مواضيع هي في مقام البحث العلمي) منذ أكثر من 1400 عام وقبل أن يتصور العلم الحديث أي شيء حول تلك الحقائق، وإن هذا لجدير بالاهتمام والتدبر من كل ذي عقل وكل ذي ذوق سليم. وسنذكر، على سبيل المثال لا الحصر، بعض الآيات التي ذكرت بعض المواضيع التي هي على أقل تقدير في محل البحث العلمي. فالعلم الحديث كان وما يزال يناقش أسرار ما يسمى بالإنفجار العظيم، ومن تأمل في القرآن يجد فيه ما يحكي بعضاً من تلك الأسرار، فقد قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ "30")- الأنبياء. 
 
وفي موضع آخر يحكي القرآن ما ظاهره أنه في بداية الخلق كانت جميع الموجودات مطوية في كائن صغير ثم انبثقت منه بنحو التفصيل، فقد قال تعالى: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ "104"(- الأنبياء. و نجد في القرآن أيضا ما يحكي عن توسع هذا الكون حيث يقول تعالى: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ "47")- الذاريات. و قد توصل هابل إلى حقيقة توسع الكون في عام 1929 ميلادي (1). و كان القرآن قد تحدث حولها قبل ذلك بأكثر من 1348 عام. 
 
و كذلك نجد في قوله تعالى: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ "88")-النمل، نجد فيه اشارة لحركة الأرض قبل اكتشاف العلم لها. كما نجد في قوله تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ "75")- الواقعة، ما يشير إلى خصوصية السنين الضوئية. و لذلك كان مثل هذا الربط بين بديع الخلق والوصول إلى حقيقة وجود الخالق محل نقاش عند العلماء منذ مدة بعيدة، فحتى العلماء والفلاسفة القدماء من غير المسلمين كانوا يرون في ذلك البحث عامل جذب جعلهم يصوغون حوله مفاهيم وتصورات متعددة. ونجد أن طرح موضوع الربط بين نظرية الإنفجار العظيم و بين الوصول إلى حقيقة وجود الخالق الحكيم، هو من الموضوعات الجديرة بالبحث العلمي، وأن محاولة التأمل في النصوص الشرعية وربطها بالحقائق الكونية لهي من أعظم السبل لمعرفة أنها صادرة من إله حكيم عليم، قال تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا "24")- محمد. و قال تعالى: (وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ "14"(-فاطر.
 
ومما سبق، يتبين أن الربط بين الحقائق الكونية وحقيقة وجود الخالق الحكيم هي من أهم المفاهيم والأمور التي دعا إليها الشارع المقدس، وأن أقل ما يوصف به ما يسمى بمنهج التشريع غير المتداخل هو أنه منهج لا يتوافق مع المنهج القرآني على أقل تقدير، بل أن تبنيه يتعارض مع القول إن هناك توافقاً بين سلوك هذا النهج وحقيقة الإيمان بالخالق عز وجل على ضوء المنهج القرآني، وذلك أن العقل لا يقبل أن يقال أني أؤمن برب حكيم ثم أقول ما بما يتنافى مع ما يدعو إليه ذلك الرب الحكيم، إلا إذا كان ذلك المنهج يؤمن برب لا يدعو إلى مثل ذلك الربط الذي أقره القرآن الكريم. و هذا مجرد تساؤل نطرحه نحن كمؤمنين نسلم بكل ما جاء به الرب الحكيم في كتابه الكريم بعد أن دلتنا عليه الحقائق والبراهين الواضحة، وقد قال جل شأنه: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا "65")- فاطر.  
 
 وإن قبول القول بأن الكون صدفة هو خلاف صريح القرآن حيث قال تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ "62" لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ "63")- الزمر, و قال تعالى: (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ "88"(-النمل، فصريح الآية أن الله خالق كل شيء بلا استثناء وأن كل شيء متقن ولا وجود للصدفة! 
 
والحديث السابق إنما هو بيان للمنهج القرآني حول الربط بن الخلق وحقيقة وجود الخالق، وكما قلنا سابقاً، ولننصف من يتبنى المنهج القائل بوجوب عدم التقاطع بين العلم والدين، ولأن هناك منهجاً ثالثاً لا يؤمن أصلاً بالدين، فيكون الاحتجاج عليه بالنصوص الشرعية أمراً غير مجد، فإننا في المحور الثاني من حديثنا سنتناول الموضوع من منظور علمي وعقلي محاولين قدر الإمكان الإبتعاد عن الإستشهاد بنصوص دينية، وإن رأينا مصلحة في إيرادها فسنوردها من باب البيان لمن يؤمن بها لا من باب الإستشهاد لمن هي ليست حجة عليه.
 
المحور الثاني: بيان بعض مواضع الخلل العلمي في منهج ما يسمى بالتشريع الغير متداخل الغاوي و ضياع مصادر المعرفة:
 
يتبنى الغاوي مايسميه بالتشريع الغير متداخل، ويقول بأن المنهجية العلمية ليس من شأنها أن تنفي أو تثبت فكرة الإله لعدة حواجز علميّة، ويتضح من كلامه في مواضع أخرى أنه يرى أن المنهجية العلمية لا تقبل إلا أن يكون البحث قابلا لأن يتعرض لتجربة حسيّة الأثر ويصمد في  إختبارات الشكوك وأنها لا تسمح لأي فلسفة أخرى قائمة على التسلسل البرهاني مثالا على ذلك (2).
 
فهو بذلك يحصر مصادر المعرفة في نطاق محدود وهي أنها محدوة بالتجربة الحسية الأثر أو ما أوضحه لاحقاً من أنها على أقل تقدير تكون مما ينال بالأدوات العلمية ولو بملاحظة بعض الآثار، و يصور أن المدرسة العلمية في كل فكرة تتبناها إنما تقبلها بعد إجراء تجربة حسية ورصد مباشر دون الإستعانة بأي فلسفة، أو تسلسل برهاني. وقد وضع رسما بيانياً صور فيه خطوات انتاج النظرية العلمية و كان الخطوات كالتالي:
 
خطوة الملاحظة ــــــ>خطوة السؤال ـــــ>خطوة الفرض ــــــ> خطوة التنبوء ـــــ> خطوة الاختبار بالتجربة أو المزيد من الملاحظة.
 
فاذا كانت التجربة تدعم التنبؤ، يجرى بعدها تجارب أخرى لتنبؤات أخرى، وإلا فإنه تراجع الفرضية السابقة في حال تبين أن التجارب لا تدعمها، أو أنه يتم الغاء الفرضية أساساً وتوضع فرضية جديدة ثم يتم اختبارها مجدداً(2).
 
فملخص مايستنتج أن قوله بعدم الربط بين العلم وفكرة وجود خالق من عدمها هو كون فرض وجود خالق هي فكرة غير قابلة للتجربة والملاحظة، وأن المنهج التجريبي لا يسمح باستخدام أي فلسفة أخرى قائمة على التسلسل البرهاني. وهذا القول مردود عليه من جوانب عديدة. منها أن في إدعائه هذا فيه مغالطة كبيرة وإستخفاف بأهمية العلوم العقلية الأخرى. فالواقع أن التصميم الذي بينه بالرسم البياني يخفي أو يغفل الجوانب التي تجد فيها المدرسة العلمية ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها. فواقع الحال أن معظم الفرضيات لا يمكن بناؤها دون الرجوع إلى مسلمات عقلية ورياضية، وأسس منطقية وفلسفية، وتسلسلات برهانية سلم بقبولها العقل والذوق السليم. بل إنه يوجد قوانين سلم العلم بقبولها واعتبرها في عداد المسلمات، وأنها قابلة للتعميم على حالات أخرى، من دون اخضاعها للتجربة في كل مرة، حتى وإن اختلفت المادة والمكان والزمان.
 
ولإيضاح ذلك نطرح مثالاً هنا، فمثلاً من القوانين الفيزيائية المتفق عليها عند العلماء أن الكثافة = الكتلة/الحجم، فلو فرضنا أن شخصاً أحضر قطعة من مادة غير معروفة ماهيتها لدينا وقال بأنه قاس حجمها وقاس كتلتها، ولكنه لا يتوفر جهاز لديه ما يقيس به كثافتها، فإن العلم وجميع العقلاء يسلمون بأنه يمكن معرفة كثافة تلك المادة بحساب رياضي بسيط، وأن تلك الكثافة المحسوبة مسلم به عقلاً وعلماً ولا حاجة لنا بأن نجري تجربة لإثباتها على هذه المادة الجديدة. ولو أتينا بأي مادة أخرى فمن اليقين لدينا أن بإمكاننا معرفة كثافتها بمجرد معرفة حجمها وكتلتها، و معرفة ما إذا كانت كثافتها أكثر أو أقل من كثافة الماء.
 
وما إذا كانت ستطفو أو ستغوص في الماء، دون الحاجة إلى الدخول في كنه المادة الجديدة لنتأكد من عدد الجزيئات في كل وحدة حجمية، ودون الحاجة لوضع تلك المادة في الماء للتأكد من ذلك. فإن قيل إن معرفة الكثافة للمادة الجديدة تحتاج لخضوع تلك المادة لجزء من الرصد الحسي لمعرفة الحجم والكتلة، يتبعها حساب رياضي أو تسلسل برهاني، فنقول إن هذا يوصلنا أن مصادر المعرفة لا تنحصر بالأدوات التجريبة، حيث استعان الراصد السابق بحساب رياضي أو تسلسل برهاني للوصول إلى نتيجته.
 
وإن قيل إن مثل هذا القانون أُكتشف بتجربة سابقة، فنقول إن التجربة الأولى لم تستوعب جميع أنواع المواد والتي منها ما قد يتم التعرف عليه مستقبلاً، فخضوع المادة الجديدة للقانون وتسليمنا بنتيجة القانون وإمكانية تعميمه على كل المواد يحتاج لمبادئ فلسفية مثل أن الحكم في الأمثال في ما يجوز ولا يجوز واحد، مما مكننا من معرفة كثافة جديدة دون الحاجة لإعادة التجربة للتحقق من أن القانون ينطبق على المواد الأخرى أو لا.
 
فمن هذا المثال يتضح أنه يمكننا الوصول لمعرفة جديدة، وهي كثافة مادة جديدة غير معروفة مسبقاً، والتسليم بها دون الحاجة إلى إعادة التجربة بل بتوافر قرائن أخرى توجب اليقين، وأن المعرفة لم تكن محصورة بالأداوات التجريبة. ومثلها حساب المسافة المستقيمة التي يقطعها جسم يسير بسرعة ثابتة من خلال قانون المسافة = السرعةxالزمن. فلا تجد عاقلاً يقول لا يمكن الجزم بالمسافة مادام يجزم بثبات السرعة و دقتها، ويجزم بدقة حساب الزمن، ولن تراه مجبراً على أن يأتي بمسطرة أو خيط متري ليقيس المسافات الكبيرة!
 
 هذان مجرد مثالان بسيطان يوضحان أن إجراء التجربة ليس ضرورياً لإثبات صحة المعارف الجديدة التي يسلم العلم والعقل بقبولها لتوافقها مع مسلمات عقلية وعلمية مسبقة، ولو أردنا ان نطرح المزيد من الأمثلة لطال بنا المقام. إذاً فالقول بأن عدم إقامة التجربة حجة في عدم التسليم بالمعارف المقبولة رياضياً، وعقلياً ومنطقيا، هو كلام غير صحيح، وأثبت بطلانه بالتجربة كما في مثالنا السابق، بل نقول أكثر من هذا ونطالب ممن يدعي أن إثبات المعارف مفتقر للتجربة ولايحصل بدونها بأن يثبت صحة كلامه بتجربة حسية تثبت صحة مدعاه هذا والذي هو عاجز عن إثباته وإنما هو مجرد وهم وضعه البعض للهروب من حقيقة أن العلم سبيل لمعرفة الخالق.
 
التجربة ودليل حساب الاحتمالات يدعمان وجود خالق حكيم:
يقول الغاوي: "وكنت أعمد للانصاف بدلا من أن أدعي أن الخباز استعان بالفلسفة فقط بل إنه استخدم قانونا رياضيا هو في ذاته أسلوب صحيح للتعامل مع النظرية العلمية رغم أنني أنتقد أسلوب عرض هذا القانون والاستنتاجات التي توصل لها" (3).
 
كان الحديث المطروح من قبل الإخوة يناقش احتمالية الصدفة في الخلق مقابل وجود خالق وكانوا يقصدون القوة الحكيمة، وقد أوضح السيد الخباز قصده في ذلك بقوله الذي ننقله حرفياً من المحاضرة المصورة في الدقيقة 39:00 "إذا كان هذا المقصود، فقضية و جود خالق -يعني وجود قوة حكيمة أبدعت الكون- قضية لها معنى. لِمَ؟ لأن لها أثراً حسياً. كيف لها أثر حسي؟ الآن أنا أرجعك إلى دليل حساب الإحتمالات، يعني نحن ننقاش المدرسة الوضعية الآن بدليل رياضي، لا بدليل فلسفي!" ثم يشرح ذلك إلى أن نصل للدقيقة 46:00 حيث يقول: "إذاً كلما كررت الظواهر، يتضائل إحتمال الصدفة، ويقوى إحتمال وجود قوة حكيمة وراء هذه الأنظمة الذكية. هذا للأرض بوحدها، كيف لو تأخذ بقية الظواهر!"(4).
 
إذاً فإن طرح المثال السابق كان بغرض نفي الصدفة بمعنى عدم وجود القوة الحكيمة، ولكن في نقاشنا هذا سنأخذ بعداً آخر، فما نريد إثباته هنا هو إستحالة الصدفة بمعنى حدث من غير محدث <النظرية السببية المتعارف عليها والتي لا تزال قائمة إلى يومنا هذا> أي بمعنى وجود خلق من غير خالق، ومن ثم ننتقل لاثبات كونه حكيماً. وسنأخذ مثال الغاوي في اليناصيب ونطبقه، لنقف على بعض الملاحظات على طريقة تطبيقه.
 
يقول الغاوي: "وبالنسبة لليانصيب الذي طرحه الهويدي، سأقوم بطرح الاشكال على الهويدي بشكل مختلف. لنفرض أن عدد سكان الكرة الأرضية 10 مرفوعة لأس 500 (50010) وكل شخص من هؤلاء سيشارك لعبة اليانصيب. وسنفرض أن جميع سكان الكرة الأرضي سيشارك في هذا اليانصيب. ولحساب احتمال أن يفوز واحد من هؤلاء سيكون (واحد مقسومة على 10 مرفوعة لأس 500). وتبعا للمنطق الذي أدرجه الهويدي وقبله الخباز فإن لا أحدا من هؤلاء سيفوز مطلقا. فالاحتمال ضعيف جدا، وأن يفوز شخص واحد لهو من المستحيلات. لكن التجربة ستثبت عكس ذلك فلا بدّ أن يكون هنالك فائز واحد رغم صفر النسبة." (3).
 
ونقول لو أردنا تطبيق المثال السابق لنثبت بطلان الصدفة بمعنى عدم وجود خالق أوجد هذا الكون لرأينا خللاً في التطبيق السابق الذي قام به الغاوي. فالشخص الفائز في مثال الغاوي ما كان ليفوز لولا أنه اشترك بشراء ورقة له، فحدوث ذلك لم يكن لو لم يقم هو بالمشاركة أصلاً، فلم يكن ذلك محتملاً إلا بوجود سبب وهو اشتراك ذلك المتسابق، فعدم المشاركة في اليناصيب = صفر.
 
فلا يصلح القول بحصول صدفة هنا بمعنى حدوث حدث من غير محدث، فلا مكان للصدفة بهذا المعنى في حساب الاحتمالات هذا، فالتطبيق الصحيح للقيمة المقابلة لعدم وجود الخالق لا يناسبه شيء إلا الصفر! فلا يقول أحد بفوز لذلك المشترك من دون اشتراكه، ولو قال أحد بذلك لشُك في سلامة عقله.
 
وهذا ينطبق على كل مثال في الحياة، فالصدفة بالمعنى الذي ذكرناه ليس لها قيمة عند العقلاء إلا الصفر! فلو أتى شخص وقال مررت بأرض فارغة ذات يوم وعدت بعد أيام فرأيت فيها بيتاً جميلاً و لكن لا أظن أن أحداً بناه، لاعترض عليه كل ذي عقل سليم، ولقال له ربما لم تر من بناه ولكن وجوده يدل على لزوم وجود من بناه.
 
وأيضاً لوُصف القائل بذلك بالجنون لو أصر على ذلك، ولو جاء أحد وقال إني دخلت مكتبي هذا اليوم فرأيت كوباً من القهوة و قطعة كيك بجواره ولا أظن أحداً وضعهما هناك بل إنهما أتتا من العدم وبدون محدث، لقيل إن ذلك الشخص مجنون أيضاً. فكل التجارب تبثت أن لكل حادث محدث، فحتى إحداث طاقة (كتلة) في الفراغ في المختبرات ما كان ليكون دون إحداث الشخص المجرب لظروف معينة تسمح بإبعاد جسيمين بمقدار معين لتنتج بينهما الطاقة. إذاً ليس للصدفة قيمة في هذه الحياة غير الصفر، وإن وضع الصفر (الصدفة) في أي قانون من قوانين الاحتمالات لن ينتج إلا صفراً، ومن يدعي غير ذلك فعليه أن يثبت ذلك لنا بالتجربة وخصوصاً إذا كان يتبنى المنهج التجريبي! 
 
وأما إذا كان تطبيق قانون الإحتمال هو من باب نفي الصدفة بمعنى عدم وجود القوة الحكيمة، كما أوضحه السيد الخباز، فإن ذلك مما سُلم به رياضياً مِنْ قبلِ أرباب علم الرياضيات، فهم يرفضون القيم الصغيرة في الإحتمال، فلو طبق قانون الإحتمالات على الظواهر الطبيعية في الكرة الأرضية وحدها لوجدنا أن احتمال الصدفة قيمة متناهية في الصغر لا يقبل الرياضيون لها غير الصفر، و أنه إذا طبقنا قانون الإحتمالات على كل جزء كوني وعلى كل ظاهرة كونية وليس مجرد الكرة الأرضية فقط، فإننا نجد أن احتمال الصدفة يتضاءل شيئاً فشيئاً ويقوى قباله إحتمال وجود قوة حكيمة، فإذا تراكمت الإحتمالات على محور معين، وهو في مثالنا وجود قوة حكيمة أوجبت اليقين به.
 
وأما تطبيق مثال وصول الباص الذي طرحه الغاوي فنرى فيه عدم دقة في الإختيار، فالطريق الأمثل لمحاكاة القوانين الذكية و دراسة احتمال الصدفة فيها هو فرض حالة يحوطها تخطيط ونظام مسبق أعد بطريقة منظمة وفق قوانين يصعب تغيرها لتلائم حال القوانين الكونية الفيزيائية التي تحكم التصميم الذكي، ومن ثم حساب إحتمال الصدفة فيها. فإنه من غير المناسب إفتراض حالة تشوبها العشوائية وعدم الدقة وتتأثر بشكل كبير بمتغيرات تحيط بها، وإتخاذها لمحاكاة نظام يسير وفق أنظمة فيزيائية أثبتت دقتها وثباتها بالتجربة.
 
ونقول أيضاً  كيف يصح لأحدهم، كالغاوي، أن ينسف المعطى اليقيني لذلك العدد الهائل من الظواهر و يقبل مجرد إحتمال عدد متناهٍ في الصغر وقريب من الصفر، ولم يثبت بأي تجربة، ويجعل منه أمراً مسلماً به ليعمم حدوث الصدفة في الكون بأكمله، و في نفس الوقت يُشكل على من يأخذ برقم قريب إلى اليقين لكثرة حدوثه! و يقول إن قضية وجود خالق حكيم قضية لا يدعمها المنهج العلمي! و كيف يقبل مجرد إحتمال قال بعدمه أهل الرياضيات وهو ممن ينتسب لمنهج قائم على التجربة فيرفض مليارات التجارب ويقبل صفراً!
 
وواقع الحال أنه لا يستطيع إثبات تلك الصدفة في القوانين الكونية، و من الأحرى به أن يلزم منهجه التجريبي لا أن يعمم أمراً هو عاجز عن تجربته! بل إنه عاجز أصلاً حتى عن اثبات احتمال وجود صدفة بالمعنى الأول الذي ذكرناه بمعنى وجود حدث من غير محدث، و وجود خلق من غير خالق "وليس مجرد احتمال كون القوة حكيمة من عدمها"، ولا يملك أي تجربة تنتج، ولو على الأقل، رقماً متناهياً في الصغر غير الصفر كما أوضحنا مسبقاً!
 
في إثبات لزوم وجود خالق واجب الوجود: 
في مستهل حديثنا تعرضنا لنفي الصدفة بمعنى حدث من غير محدث، وهنا سنتعرض لإثبات لزوم وجود خالق واجب الوجود. فقد كان للفتح الذي أحدثه ما يعرف بنظرية الإنفجار العظيم دور مهم للوصول إلى نظريات أخرى انبثقت من بعض الحقائق التجريبة المثبتة والتي صيغ منها تصور هذا الإنفجار. وإستناداً له ولبعض الحقائق التجريبة الأخرى التي أثبتت توسع الكون، تبنى أصحاب المدرسة التجريبية أن لهذا الكون عمر وأنه ليس أزلياً تبعاً لتلك الحقائق. ثم توصلوا من خلال تلك الحقائق إلى نتائج أخرى منها أن لهذا الكون نهاية مصيرية يصير إليها. و من تلك التصورات التي استنتجوها ما يعرف بالانسحاق العظيم “Big Crunch” والتي تصور مفهوماً عكسياً للانفجار العظيم [5]. تلك النظرية وغيرها من النظريات العلمية دعت الكثيرين لإستنتاج تصورات حول مصدر هذا الكون أو ما عرف بنقطة التفرد.
 
إن نقطة التفرد تتصور على صورتين إحداهما أن تكون من نوع العدم وثانيهما أن تكون من نوع الوجود. فإن كانت عدماً فإن العدم لا يعقل أن يكون مصدراً للكون وهل يمكن أن يكون اللاشيء مصدراً ينبثق منه كل شيء! والصورة الثانية أن تكون وجوداً، وهذه الصورة أيضاً فيها فرضيتان:
 
الأولى أن يكون الوجود لنقطة التفرد نابعاً منها، أي أن وجودها ليس مكتسبا من عامل خارج عن ذاتها، وإنما وجودها نفس ذاتها، وهذا مايعبر عنه المنهج العلمي الديني بواجب الوجود. لكن إذا كان التفرد واجب الوجود فذلك يعني أنه وجود لا محدود، لأن ما كان وجوده نابعاً من ذاته فليس له حد، حيث أنه لو كان له حد لكان هذا الوجود مختفياً ومتبخراً عند ذلك الحد، وهذا لاينسجم مع كونه واجب الوجود.
 
الفرضية الثانية أن يكون وجود نقطة التفرد مكتسباً من مصدر آخر، و هنا يأتي السؤال: هل أن ذلك المصدر هو مما له وجود مكتسب أيضاً أو ينتهي لمصدر واجب الوجود لا يحتاج لإكتساب الوجود من مصدر آخر؟ فإن اخترنا الفرض الأول فإنه يعني تصاعد سلسلة المسببات والأسباب إلى مالا نهاية له، وهو مايعبر عنه في المنهج العلمي الديني بالتسلسل، وهو غير معقول لأنه يعني ألا مبدأ للكون فإذا لم يكن هناك مبدأ فكيف وجدنا! مضافاً إلى أن المنهج العلمي التجريبي أكد أن للكون مبدأ وأنه ليس أزلياً ذاهباً لما لا نهاية له، و إذا انتهى تسلسل الأسباب إلى موجود وجوده نفس ذاته وليس وافداً عليه فهذا مايعبر عنه المنهج العلمي الديني بواجب الوجود.

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2013/01/08   ||   القرّاء : 5170















البحث :


  

جديد الموقع :



 الانتظار ... منهج بناء 

 فن صناعة البسمة

 استراتيجية الشعائر (٤): التعبئة الإيمانية والمعرفية (*)

 استراتيجية الشعائر (٣): التعبئة الاجتماعية (*)

 استراتيجية الشعائر (٢): التعبئة الإعلامية (*)

 استراتيجية الشعائر (١): حفظ الدين (*)

 فاطمة الزهراء (ع) المقامات الغيبية والوجه الحضاري

 منهج الحرّية وآفاق التحرّر

 الإمام الحسين عظمة إلهية وعطاء بلا حدود

  السيدة نرجس مدرسة الأجيال



ملفات عشوائية :



 مجلس عزاء في منزل المرجع الشيرازي

  الإسلام وإشكاليات الحداثة - الحلقة (16)

  الحكيم تحت أقدامكم فأين تذهبون!

 من يستطيع إدراك فاطمة؟

 حادثة نبش قبر الصحابي حجر بن عدي بمنطقة عذرا بريف دمشق

 لغة الحوار - الحلقة الأولى

 الانتظار ... منهج بناء 

 تهديم دور العبادة في العراق .. تواصل تاريخي مع جريمة تهديم البقيع

 أحاديث حول أهل البيت عليهم السلام

 فن صناعة البسمة

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 6

  • الأقسام الفرعية : 22

  • عدد المواضيع : 437

  • التصفحات : 3141240

  • التاريخ : 15/08/2018 - 00:49

مؤسسة الأنوار الثقافية العالمية : info@alanwar14.org @ Alanwar14.Com - Alanwar14.Org - Alanwar14.Net
 

تصميم، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net